مقالات

أمريكا بلد الحريات والعدالة ولكن …

أمريكا

الخامس والعشرين من شهر أيار عام 2020 العام المليء بالأحداث الصاخبة بداية من الحجر الصحي الذي شتت العالم بالكامل وانتهاءً بالانتخابات الأمريكية الأغرب في تاريخ أمريكا منذ نشأتها، كل أحداث العام بكفة وما حصل في الخامس والعشرين من أيار بكفة أخرى تماماً ففيه توقف الزمن للحظات والعالم يشاهد وفاة الرجل الأمريكي الأسود “جورج فلويد” البالغ من العمر ستة وأربعين عاماً وهو يموت ببطء خنقاً ولمدة تسع دقائق وهو يصرخ بجملة واحدة فقط “لا استطيع التنفس“، لكن قبل الوصول لهذا اليوم لنسافر برحلة عبر الزمن في بلاد العم سام بلد الحريات والعدالة والمساواة.

تاريخ مليء بالعنصرية:

أمريكا بلد الحريات والعدالة ولكن …

مرت أمريكا منذ نشأتها وحتى يومنا هذا بالعديد من الأحداث والقضايا العنصرية التي فصلت بين المواطن الأبيض المنتمي للعرق “الآري” العرق الأصفر الذي ينحدر من القارة العجوز الأوروبية وباقي مواطنيها الذين قَدِموا من مختلف أنحاء الأرض.

أمريكا الدولة التي نشأت بعد قتل وإبادة الهنود الحمر أصحاب الأرض وغزوهم من قبل الأوروبيين أصبحت اليوم الدولة الأولى في العالم اقتصادياً وعسكرياً ونادت للحرية والعدالة في جميع أصقاع الأرض إلا أنها لم تخلو من الأفعال العنصرية والإجرامية تجاه الأعراق والديانات المختلفة.

ففي السابق كانت مشهورة بالفصل العنصري وحرمان السود من حق التعليم والتوظيف والحياة حتى تمكن الناشط “مارتن لوثر كينج” من إنهاء الفصل العنصري بعد قيادته لثورة حققت المساواة والعدالة في جميع أنحاء البلاد وصدور قرار عام 1964 الذي ألغى الفصل العنصري في أمريكا لتدخل حينها الولايات المتحدة عصراً جديداً كان من المفترض أن يكون فيه الوطن للجميع.

عنصرية ظهرت بعد قرار إلغاء الفصل العنصري في أمريكا:

أول طفلة سوداء تدخل صفا في مدرسة مخصصة للبيض بولاية تنيسي الأمريكية عام 1957
أول طفلة سوداء تدخل صفا في مدرسة مخصصة للبيض بولاية تنيسي الأمريكية عام 1957

بعد صدور قرار إلغاء الفصل العنصري وانتشار دعاوى الحرية والمساواة في البلاد والبدء بإزالة الحواجز بين الأمريكيين تم اغتيال “مارتن لوثر كينغ” وذلك الأول من نيسان عام 1968 من قبل يمينين متعصب تم تجنيده من قبل جهات غير معروفة لاغتيال “كينغ” وكانت هذه الجريمة بياناً صارخاً بأن العنصرية ستبقى كجمر تحت الرماد ولن تزول مهما طالت الأيام، لتتوالى قضايا العنصرية ولينتشر مفهوم الإسلاموفوبيا من بعدها بشكل واسع.

ففي عام 1973 رفعت وزارة العدل الأمريكة دعوى ضد مجموعة “ترامب مانجمنت” التي يديرها “دونالد ترامب” وذلك بتهمة التمييز والتحيز ضد السود، فقد امتنعت المجموعة من تأجير الشقق للسود ضمن أبنيتها، وكشفت التحقيقات أن المجموعة قد استخدمت رموزاً خاصة لتمييز استمارات المتقدمين السود عن البيض وذلك بهدف رفض السود وقبول البيض فقط، وبالرغم من مقاضاة الشركة ونفيها لأي أعمال عنصرية إلا أنها استمرت بنفس الآلية السابقة حتى عام 1978.

قضية سنترال بارك:

مراهقين سُجنوا بعد اتهامهم زورًا بالاغتصاب والاعتداء
مراهقين سُجنوا بعد اتهامهم زورًا بالاغتصاب والاعتداء

في عام 1989 ضجت نيويورك بقضية تعرض العداءة “تريشا ميلي” للاعتداء والاغتصاب في الحديقة المركزية في مدينة منهاتن ليتم القبض حينها على خمس ذكور أمريكيين أربعة منهم من أصول أفريقية وواحد من أصل إسباني ليتم الحكم عليهم بالسجن لمدة تتراوح بين 5 إلى 15 سنة.

وبالرغم من أن الأدلة كانت تشير لبراءة الذكور الخمس إلا أن لون بشرتهم كان الدليل الأشد وطاءً بالنسبة للقضاء، ليتم الكشف عام 2002 عن براءة المواطنين الأمريكيين الخمس وذلك بعد اعتراف مجرم مسجون بمسئوليته عن الجريمة وهذا ما أكدته أدلة الحمض النووي ليتم الإفراج عن الشباب الخمس وليرفعوا من بعدها دعوى قضائية ضد ولاية نيويورك ليتم تعويضهم بمقابل مادي بلغ 41 مليون دولار وذلك في عام 2014 ولكن ماذا يفيد المال بعد السجن وتقييد الحرية لمدة 13 عام!؟

الإسلاموفوبيا صناعة أمريكية ممولة:

الإسلاموفوبيا قضية لن تنتهي
الإسلاموفوبيا قضية لن تنتهي

أصدرت جامعة كاليفورنيا في بيركلي ومجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية تقريراً يفيد أنه قد تم دفع 206 مليون دولار من قبل 33 مجموعة هدفها الرئيسي تعزيز التحيز ضد المسلمين وكراهيتهم وذلك بين عامي 2008 و 2013 وحمل هذا التقرير اسم صناعة الإسلاموفوبيا.

ومن نفس العام نشرت جامعة كارينجي ميلون دراسة تفيد أن فرص توظيف المسلمين أقل من فرص توظيف المسيحيين بنسبة 13% وتعتبر هذه النسبة كبيرة جداً إذا ما تم تعميمها على كامل أمريكا، إضافة لأن هذه النسبة تزيد بمعدل ثلاثة أضعاف في حال الترشح أو التقدم لوظائف حكومية ليكون الفارق بين المسلمين والمسيحيين 39%.

وفي عام 2000 صرح مكتب التحقيقات الاتحادي عن حدوث 28 جريمة كراهية ضد المسلمين ليرتفع العدد بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 لأكثر من 500 جريمة ضد المسلمين.

وبالرغم من عدم رغبتنا بالتطرق لقضايا محددة وذكر أسماء وشخصيات عنصرية وأشخاص كانوا ضحية العنصرية العرقية والدينية إلا أن اليميني المتطرف “دونالد ترامب” الذي وصل لرئاسة أمريكا لم تتوقف عنصريته عند حد معين.

فبالرغم من توجهاته المتشددة منذ عام 1970 وسياسة شركاته المتحيزة والكارهة للأعراق الأخرى وصل “ترامب” للرئاسة وبدأ بطرح سمومه العنصرية بشكل قرارات بداية من الحد من الهجرة وقراره الذي مُنع من تطبيقه ببناء جدار فاصل بين أمريكا والمكسيك وقراره بمنع العديد من الدول الدخول إلى أمريكا، إضافة لتغريداته على تطبيق التويتر التي كانت تنضح بالعنصرية.

النائبات الأربع وجورج فلويد:

مقتل جورج فلويد
مقتل جورج فلويد

كان المشهد الذي تحدثنا عنه في البداية السبب الرئيسي في تبديد أسطورة بلد الحريات وكشف حقيقة بلاد العم سام العنصري ذي الشعر الأشقر والبشرة البيضاء والقلب الأسود، فمنذ اختراع التلفاز وأمريكا تروج من خلاله بأنها الداعم الرئيسي لحرية الشعوب وأنها الساعي للأمن والأمان والاستقرار في العالم، فدعمت الحركات الشعبية مدنية كانت أم مسلحة بهدف أن يحقق الشعب سيطرته وأن يحدد مصيره، وتدخلت في شؤون كل من فيتنام وباكستان والجزيرة الكورية لينتهي المطاف بدول الربيع العربي التي دُمرت تحت شعار الحرية.

كل دعوات الحرية الزائفة وانتقاد الحكومات القمعية بشكل دائم تبددت مع تولي “دونالد ترامب” للسلطة، الذي اعتُبر الرئيس الأغرب في تاريخ أمريكا، فكل من سبقه كان يدس السم في العسل إلا أن “ترامب” كان يجاهر بعنصريته تجاه جميع الأعراق والأديان، ولعل التغريدات التي نشرها على التويتر كانت دليلاً على ذلك.

ففي السابع عشر من شهر تموز عام 2019 نشر “دونالد ترامب” عبر حسابه الشخصي على التويتر تغريدة يطالب فيها النائبات” ألكساندريا كورتيزو “إلهان عمرو “رشيدة طليبو أيانا بريسليمنأن يعدن إلى الأماكن المنهارة والموبوءة بالجريمة التي قدمن منها”.

النائبات الأربعة أمريكيات الجنسية إلا أنهن من أصول وأديان مختلفة هاجمهن رئيس أمريكا بشكل مباشر الذي يحمل على عاتقه مهمة توحيد الشعب لا التفريق فيما بينهم على أساس العرق أو الدين.

وقد يرى البعض أن تغريدة “ترامب” ما هي إلا رأي شخصي يُعبر عنه إلا أن الصمت الذي ساد الحزب الجمهوري بعد هذه التغريدة يعتبر دليلاً على رضا الحزب عما نطقه “ترامب” بالنيابة عن الجميع.

أما “جورج فلويد” الذي لقي حتفه بعد خنقه بضغط الشرطي بركبته على رقبة “فلويد” وهو ممدد في الأرض بغرض القبض عليه ما كان إلا ضحية شر كامن توارثه الشرطي من أجداده، وليكون رد جهاز الأمن أسوأ من الجريمة ذاتها فقد اكتفت السلطات بفصل الشرطي دون محاسبته إلا أن الاحتجاجات التي عمت البلاد وأشعلت ثورة شعبية شهدنا فيها رد السلطة بشكل قمعي وإجرامي يشابه لما انتقدته سابقاً في الدول الأخرى، أجبر السلطات على معاقبة الشرطي “ديريك شوفين” والحكم عليه بالسجن لمدة قاربت الخمسين عاماً.

ولا يسعنا القول إلا أنه مهما طال الزمان وتبدلت الحكومات تبقى حقيقة أن الغرب والشرق غير متساويين في الحقوق أمر لا جدال فيه، وبالرغم من انتشار فكرة أن العالم اليوم أصبح قرية واحدة بفضل الانترنت إلا أن المعتقدات والكراهية التي تمتد جذورها منذ مئات السنين تظهر على السطح بشكل دائم بين الحين والآخر، لذلك لابد من الحذر والحيطة وبالوقت ذاته مقابلة الطرف الآخر بالسلام مهما اشتد غيظه وزاد غله فعلى مبادئ السلام والمحبة قد تربينا.

مصادر: 12345678910

سؤال وجواب كويتيون في أمريكا